الغزالي

141

إحياء علوم الدين

أنعم الله به عليه ، يشق ذلك عليه . وإذا وصف له اضطراب أمور الناس ، وإدبارهم ، وفوات مقاصدهم ، وتنغص عيشهم ، فرح به . فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ، ويبخل بنعمة الله على عباده ، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته . ويقال البخيل من يبخل بمال نفسه ، والشحيح هو الذي يبخل بمال غيره . فهذا يبخل بنعمة الله تعالى ، على عباده الذين ليس بينه وبينهم عداوة ولا رابطة . وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ، ورذالة في الطبع ، عليه وقعت الجبلة ، ومعالجته شديدة . لأن الحسد الثابت بسائر الأسباب ، أسبابه عارضة يتصور زوالها ، فيطمع في إزالتها . وهذا أخبث في الجبلة ، لا عن سبب عارض فتعسر إزالته ، إذ يستحيل في العادة إزالته . فهذه هي أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب ، أو أكثرها ، أو جميعها في شخص واحد ، فيعظم فيه الحسد بذلك ، ويقوى قوة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة ، بل ينهتك حجاب المجاملة ، وتظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب ، وقلما يتجرد سبب واحد منها . بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب التي ذكرناها ، وإنما يقوى بين قوم تجتمع جملة من هذه الأسباب فيهم وتتظاهر ، إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه قد يمتنع عن قبول التكبر ، ولأنه يتكبر ، ولأنه عدو ، ولغير ذلك من الأسباب . وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط ، يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ، ويتواردون على الأغراض : فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من الأغراض ، نفر طبعه عنه ، وأبغضه ، وثبت الحقد في قلبه ، فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه ، ويكافئه على مخالفته لغرضه ، ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه ، وتترادف جملة من هذه الأسباب . إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين ، فلا يكون بينهما